الإصلاح وسياسة الهروب من المواجهة!

الإصلاح وسياسة الهروب من المواجهة!

 

 
كان لدى الإصلاح فرصة تأريخية مناسبة؛ كي يتحرر من سياسة الخوف تجاه الإمارات ويعلن فيها موقفاً وطنياً شجاعاً ضدها، بعد قصفها للجيش في عدن، لكنه لم يفعل. كانت اللحظة مواتية كي يتخلص فيها الحزب من إرث المداهنة المهين وسياسة "سد الذريعة" أمام الخصوم، لكنه أضاعها وفضل التشبث بمخاوفه أمام خصم لا يحتاج ذريعة لضربه، بل يختلقها بعد أن تكون الضربة قد وقعت.
 
لو أن الإصلاح تجاسر وأعلن موقفاً قوياً؛ لكان تحول لرأس حربة في الدفاع عن البلد وتمكن من اكتساب زخم شعبي هائل كونه في قلب معركة وطنية، جُرحت فيها كرامة الشعب وبلغ الغليان الشعبي ذروته. إننا نعاني من نخبة سياسية لا تتقن استثمار اللحظات الحاسمة؛ كي تلتحم بالجماهير وتكفر ذنب خذلانها الطويل للوجدان الوطني المغدور.
 
في اللحظات الإستثنائية من نضالات الشعوب، لا قيمة للأحزاب ما لم تتصدر واجهة الحراك وتقود قافلة المعركة بشجاعة، بعيدًا عن تفكيرها اللحظي وفقًا لحسابات الربح والخسارة. وإذا لم يعكن الحزب مستعدًا للخسارة الظرفية؛ كي ينتصر لقيم الشعب الكبرى، فلا قيمة له.
 
مثلما كان الإصلاح أول الأحزاب اليمنية تأييدًا لعاصفة الحزم ببيان صريح وواضح حينها، تمنيت لو أنه اليوم يفعل الشيء ذاته ويعلن قطيعته الشاملة مع أحد أطراف التحالف، الإمارات على الأقل. الأمر ليس مجازفة سياسية غير محسوبة، بل على العكس ستكون مجازفة محكمة وأظنها كانت ستمثل لحظة فارقة في تأريخه النضالي وتمنحه فرصة لتحرير قراره السياسي لجانب أنه سيظهر وجهاً آخر لخصومه الإقليميين بما يجعلهم يختبرون صلابته وربما يبدأون بمراجعة حساباتهم المستهينة به.
 
يحاول الإصلاح الهرب من الخسارة الكاملة؛ مفضلًا القبول بخسارات جزئية بدلًا من مواجهة حرب شاملة، تنتهي بإجتثاثه؛ لكن هذه السياسة ما عادت مجدية، في ظل عدو يرتب نفسه لمواصلة الحرب ضدك وتحويلها لمعركة صريحة بلا مواربة.
 
إنك لا تستطيع الإحتفاظ بمكاسبك، ما لم تكن مستعدًا للخسارة متى تطلب الأمر ذلك، كما لا تستطيع أن تربح ما لم تكن جاهزًا لدفع الضريبة، حين يحاول خصمك تجريدك من حقك أو أن يدفعك لتسلم له نفسك دون مقاومة.
 
حين يضعك خصمك أمام واقع كهذا، يجدر بك مباغتته قبل أن يستكمل ترتيب أموره ويجهز عليك بشكل نهائي ولا يسعفك الوقت لمقاومته.
 
جربتم خيارات القبول طويلًا ولم تقيكم شيئًا، ماذا لو جربتم لمرة واحدة خيارات الرفض وأنهيتم مسيرة طويلة من خداع الذات والمهادنة العبثية مع خصوم يشتغلون بكامل تصميمهم لإجتثاثكم وسحق بلاد كاملة؟!
 
ملاحظة أخيرة: الأمر ليس دعوة للحزب أن يلعب دور الدولة، ولكنه حديث بما يجب على الحزب اتخاذه من موقف مسبق يدعم فيه الدولة، ثم يسندها لخوض معركتها بدلاً من ترقب الخلاص من الخصوم أنفسهم الذين يسعون لتقويضها وتقويض الحزب الأكثر صلابة معها.
 
هنا ستتخذ المعركة بعدها الوطني المتجدد وسيتحرك الإصلاح تحت لافتة مشرفة وحرب مقدسة كما كان حاله لحظة إعلان تأييد التحالف عند بدء المعركة ضد مليشيا الحوثي؛ بل ستكون الآن معركة تكميلية أكثر وضوحًا، حيث ستغدو مفاصلة نهائية بين الإرادة الوطنية من جهة والمشاريع العصبوية مسنودة بقوة خارجية محتلة من جهة أخرى. وهذا بإعتقادي ما كان يحتم على الإصلاح استباق إعلان الدولة للمعركة ضد الإمارات بإعلان الحزب بيان القطيعة مع المحتل بدلاً من تأخير الأمر حتى ما بعد إعلان الدولة، كون المعركة الحالية ضد المليشيا المتمردة في الجنوب تختلف عن طبيعة المعركة مع تمرد الحوثي في الشمال وتتخذ طابع العراك مع محتل خارجي أكثر منه مع أدواته الداخلية.