لعنة القيادة.. لعنة التاريخ

لعنة القيادة.. لعنة التاريخ

 

 

حتى اللحظة تقول المعلومات الواردة من عدن وأبين، ويصادق عليها الواقع أنه لا يوجد تنفيذ حقيقي للشقين الأمني والعسكري لاتفاق الرياض الذي وضعت المملكة والإمارات كل ثقلها فيه وعليه كيما يتم شرعنة انقلاب المجلس الانتقالي الجنوبي، اغسطس 2019م، تحت مبرر تدعيم مداميك الشرعية وتحصين بيتها المتهاوي من الداخل..

المؤشرات القادمة من الميدان تؤكد أن ثمة مظاهر شكلية لتواجد القوات الحكومية التابعة للرئيس هادي، “مجموعة من الضباط والجنود الجنوبيين فقط” في حين تم منع، أو قل مماطلة، بحسب ما يفضل قول ذلك أحد مستشاري الرئيس هادي، دخول القوات الحكومية التي نص عليها اتفاق الرياض في شقيه العسكري والأمني: “الشرطة العسكرية، الأمن الخاص، الأمن العام”، تدخل إلى أبين وتتولى مهمة تأمين جعار وزنجبار، وتنسحب قوات الانتقالي منها، و”قوات النجدة، واللواء الأول حماية رئاسية” يفترض انها دخلت منذ أسبوع إلى عدن بحسب وعود اللجنة السعودية وضباطها المشرفين على تنفيذ الاتفاق افتراضاً، رغم أنه كان يفترض أن تدخل هذه القوة إلى عدن وأبين قبل وصول الحكومة إلى العاصمة المؤقتة للبلاد. إلاّ أن الواقع على الأرض وبحسب ضباط في الحماية الرئاسية وأمن أبين يقولون غير ذلك تماماً ولم يعودوا يعرفوا هل المملكة جادة في تنفيذ الاتفاق، أما أنها تسعى لتطبيع الانقلاب وابقاء الوضع على ما هو عليه لا ستنساخه في المستقبل في رقعة أخرى من اليمن؟

يصف أحد المستشارين للرئيس الوضع في عدن ومحيطها بالغريب والمحير، ومواقف الرئيس بالأغرب فلم يعد يدركوا هل فعلاً الرئيس هادي يدرك ما يحصل لما تبقى من شرعيته أم أن الرئيس راض عن كل ما يحدث، منذ اغسطس 2019م، كيما يستمر الوضع في البلاد على حاله، “حروب داخلية لا تنتهي” ويظل هو في الرياض أطول مدة ممكنة أو لحين وفاته؟

حين تسمع هذه الكلمات من مستشار رئاسي، كمواطن يمني، أو متابع متحمس لإنهاء الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران، تصل إلى قناعة تامة أنه لا يمكن أن تصل إلى النتيجة المرجوة التي تنادي بها وغيرك من ملايين اليمنيين، والتي سقط من أجلها ولا زال آلاف الشهداء وعشرات الآلاف من الجرحى والمعاقين، ودمرت البلاد بشكل شبه كلي، وتشرد الملايين من أجلها “إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة”، بهكذا قيادة، لأن ما يحدث هو “استدعاء الانقلاب وإنهاء الدولة”..

هذه ما يقوله الواقع منذ ست سنوات، وسبق أن قلتها عديد مرات أننا بحاجة لقيادة لا أكثر، وكذلك قال الكثير، فنحن نخوض معركة مصيرية بدون قيادة.. رئيس ونائب ألفوا البقاء في الفنادق ولم يعد يهمهم مستقبل اليمن ولا إلى أين تسير البلد، فأعمارهم تضعهم في هذا الزاوية دون أن يشعروا، ويحدثون أنفسهم أنهم مهما فعلوا لم يعودوا مقبولين داخلياً وخارجياً، ويشعروك أيضاً أنهم لم يعدوا يكترثوا لشرفهم وقسمهم العسكري الذين قسموا به، بل ويقنعون أنفسهم أنهم يأدون دورهم بشكل جيد جداً ولو سألت أحدهما هل هو راض على ما يقوم به رغم منصبه الذي يتقلده لرد عليك وبثقة عالية: “وفق الإمكانات المتاحة نعم، وأدع التاريخ لقيم ذلك وغير من سيقول ذلك”..

يا الله.. لا اعتقد أنهم يفكرون بالتاريخ، وإلاّ لما قبلوا البقاء في مواقعهم هذه السنوات كضيوف في المملكة والبلد ينهار وينزلق نحو اللاعودة للجمهورية والوحدة، ويتحكم بهم شخص هنا أو هناك من أجل تحسين وضعهم..

حين يساورك هذا الشعور وتريد أن تلتفت يميناً أو يساراً لتبحث عن قيادات أخرى علها أن تحيي فيك الأمل، ويمكن لها أن تتصدر المشهد وتغطي فراغ تركه رئيس ونائبه، محسوبين كقيادات مخضرمة على المؤسسة العسكرية إلاّ أن السن له حكمه كما يبدو، تجد أمامك رئيس حكومة ورئيس برلمان، أقل ما يمكن قوله عنهما “لعنة تعز على اليمن” هكذا مرة واحدة رمتها على البلاد بهاتين الشخصيتين الانتهازيتين.. تعز التي توقد كل الميداين، تعز التي تعشق الجمهورية وتذوب في الوحدة حتى الوله، تعز التي تهيم في اليمن وتفديها بدماء أبنائها وبناتها الأبرار كل يوم وفي كل الميداين.. لكنها لعنة التاريخ التي جلبت لنا في لحظات حالكة وفارقة “معين والبركاني”..

وإن حدثت نفسك بأن عليك ألاّ تنظر إلى هؤلاء، فالقيادة في الميدان، هم من يعول عليهم، تجد أمامك وزير دفاع خذل صديق عمره “حميد القشيبي” وظل ينتظر توجيهات وزير خائن “محمد ناصر” في جبل ضين، لحين اسقاط عمران، وليس له من نقطة مضيئه في تاريخه العسكري، إلاّ شيء يباهي به انه ذهب للقتال في صفوف الجيش العراقي الحر، إبان الحرب العراقية الإيرانية، لكن حين جاءت إيران إلى عقر داره، ماذا فعل؟ اعتقد أن الميدان هو من يحاكمه وليس أنا..

تذهب وتحدث نفسك عن رئيس هيئة الأركان، وتحاول تقنع نفسك بأنه قائد محنك ويمتلك عقيدة قتالية ولديه سجل من الحرب ضد هذه المليشيا، وتذهب لتسأل عن الرجل ممن خبروه عن قرب ويقدرونه، فيقولن لك بكل صراحة “الرجل بطل لكنه لايصلح لهذا المنصب، فقائد لواء أو منطقة عسكرية كبيرة عليه، فلا يتمتع بأي من صفات القائد العسكري الذي يمكنه أن يشد من أزر المعركة ويغير شيء على الواقع”.. فهو كغيره من الضباط الرفيعين الذين رهنوا انفسهم للسعودية والإمارات وينفذوا اجنداتهما دون الالتفات لليمن وكذلك هم القادة البارزين شمالاَ وجنوباً وشرقاً وغرباً بما فيهم “عيدروس والعمري والبحسني وطارق ووووو إلخ”.. وكأنه عقاب على الشعب اليمني أن تتصدر المشهد هكذا قيادات..

لن التفت إلى الوجاهات القبلية والقيادات الحزبية، فذكرها سينكي جراحاً كبيرة لأننا أما ثلة يمكن أن سميهم “حثالة” والحر منهم مبعد عن المشهد، لا تأثير له، ولن اتحدث عن الوزراء فالجميع يعرف من هم ويكفيك أن تعرف أنهم يقبلون أن يموت الشعب جوعاً بدون مرتبات، وهم يستلمون مرتبات بالدولار، ويضاف إليها بدل مخاطر لبقائهم في البلاد، ويمنون عليك أنهم يستطيعون “مضغ القات” لعدة أشهر في قصر معاشيق دون أن يقدموا شيء للبلد وللشعب..

وحدهم صغار الضباط والجنود الصادقين في الميدان وثلة من رجال القبائل يعرفهم الميدان جيداً وتعرفهم المليشيا أكثر منا جميعاً، وهم كبار بموقفهم وتضحياتهم، من يعول عليهم الجميع بعد الله ولكن في ظل وجود قيادة تؤمن بقضية، وتمتلك روح المقاومة والمنافحة عن الجمهورية والأرض والعرض والكرامة في الميدان وليس في الغرف المغلقة وعبر شاشات التلفزة..

لست أدري ما الذي يجعلني أكتب بهذا الإحباط، رغم أن أملي ويقيني في الله كبير، لكن حين أتذكر أنه جل وعلا يلزمنا بالعمل بالأسباب والاستعداد بما نستطيع، أقول لم نستطع أن نوجد قيادة رغم كثرة الصادقين في الميدان، وتخلينا عن كثير من اسباب النصر، ثم نبحث عن نصر من الله..

نعم النصر من عنده وحده ولكن العمل بالسبب، والتوكل عليه بعد البذل ما يلزمه أي نصر، وغيره يسمى تواكل وانتظار معجزة من السماء أو هزيمة لا تبقي ولا تذر، تجعل من مليشيا الحوثي “الإمامة الجديدة” جاثمة على بلدنا لعديد سنوات لا سمح الله..

عن اليمن نت