طاقة العقل

طاقة العقل

 

 

أثنى الكاتب توماس فريدمان على تايوان كأفضل بلدان العالم استثمارا في العقول، إذ اهتمت في التعليم في ظل فقر الموارد الطبيعية، وركزت على المناهج الدراسية التي أسهمت في تخريج طلبة مبدعين، وعلى إيجاد البديل التكنولوجي حتى صارت تايوان من أكثر الدول تقدما في العالم رغم عدم اعتراف الصين الشعبية بها واعتبارها جزء منها، وهذا لم يكن عاملاً سلبيا في حياة التايوانيين فاعتمدوا على أنفسهم في كل نواحي حياتهم، وبسبب الحرب الباردة التي تعيشها الصين مع الولايات المتحدة فقد ضغطت الأخيرة بالسماح للصادرات التايوانية للوصول إلى معظم دول العالم، وصارت تايوان من أكثر دول العالم دخلا في المستويين الفردي والقومي وصار الاحتياطي المالي في تايوان رابع أفضل احتياطي في العالم.

   وخرج فريدمان من التجربة التايوانية بأن هناك علاقة سلبية بين الثراء الذي يأتي من الموارد الطبيعية أو من التعليم، ففي دراسة قارنت بين مخرجات التعليم في الدول، وُجد أن التعليم في سنغافورة وتايوان وفنلندا وكوريا أفضل من غيرها، وحقق طلبة الأردن نتائج أفضل، واعتبر فريدمان أن التقدم في القرن الواحد والعشرين مرتبط بما تنفقه الدول على صنع المُعلم الناجح، وعلى زرع الجدية في الطلبة وضمان منهاج دراسي يوائم بين إمكانياتهم وحاجة المجتمع للارتقاء الاقتصادي والتكنولوجي.

والتعليم المهني داعم أساسي للتقدم وعلى الحكومات أن تقدم الطلبة الموهوبين للتعلم المهني وتوفر بنية تحتية تحقق أقصى فائدة تسهم في البناء المحلي الصناعي والتقني، ويتحقق الرفاه للأفراد والدول بالتركيز على التعليم المهني في أهميته وكميته النوعية أكثر من التعليم العام، وبإعداد معلمين مبدعين في المراحل الأولى بالتعاون مع الدول التي نجحت في هذا التعليم المهني، وقد قام الأردن قبل أكثر من 40 سنة بالتعاون مع ألمانيا في بناء مدارس صناعية، ولكن فشلت التجربة نتيجة توجه الطلبة إلى التعليم الأكاديمي، ولأنهم لم يجدوا حاضنات عمل فالمصانع والمعامل لم تتسع لمئات الخريجين.

وطاقة العقل تستوجب الخروج من الحديث عن بطولات القيادات التربوية، لتحقيق الهدف المطلوب وما زال أمامنا الكثير حتى نُنجزه، وعلينا أن نتوقف عن جلد الذات ونقتدي بالتجارب في سنغافورة وتايوان وكوريا، التي تتقاذفها الأعاصير ولا يوجد بها موارد أولية وتقع في بقع ساخنة وجزء منها يعاني من سيطرة دول عُظمى، واستطاعت حكوماتها أن تشكل طاقة أعظم وأكبر.

وحين نتحدث عن بدايات التقدم في هذه الدول نتذكر بعض طلبة كوريا في الأربعينيات والخمسينيات الذين كانوا يأتون لدولة عربية كمصر من أجل تلقي العلم، إذ إن المنهاج المصري كان في أفضل حالاته ولكن كوريا اليوم تشهد تقدما بسبب تحديث نُظم التعليم لديها، والنتيجة أن شركات السيارات فيها تشكل قوة اقتصادية عالمية وما يُضاف إليها من شركات إلكترونيات كسامسونج التي تُعتبر من الشركات العابرة للقارات توفر للدولة الكورية الجنوبية نقدا يعتبر من أقوى الاحتياطات النقدية في العالم.

  ويبقى أن أقول إن الطاقة غير المتجددة ستكون عاجزة عن تقديم الحلول لإنسان القرن الحالي إن لم يكن تحسين مستوى التعليم على رأس أولويات الدول مع جدية التعاطي وفق سياسات يتم دراستها والتخطيط لها بشكل يضمن استثمار طاقة الإنسان المبدع والموهوب.

عن الدستور الأردنية