كثيراً ما تلجأ الدول إلى الأعمال الخيرية والإنسانية كسياسة قوة ناعمة لخلق بيئة نفوذ تمهّد لتحقيق مصالحها.
 
وتعني القوة الناعمة أن تكون للدولة قوة روحية ومعنوية من خلال ما تجسّده من أفكار ومبادئ وأخلاق، ومن خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان والبنية التحتية والثقافة والفن، ما يؤدّي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به ثم اتّباع مصادره.
 
ومن الدول التي تُعنى باستخدام هذه القوة الإمارات العربية المتحدة، بل ذهبت حتى إلى مأسستها ضمن تشكيل "مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة"، في أبريل 2017، والذي يهدف بحسب الإعلان الرسمي إلى تعزيز سمعة الدولة إقليمياً وعالمياً، وترسيخ احترامها ومحبّتها بين شعوب العالم، ويختصّ برسم السياسة العامة واستراتيجية القوة الناعمة للدولة.
 
لكن سرعان ما تتحوّل القوة الناعمة إلى خشنة، والإنسانية إلى شرّ مطلق؛ عندما تنتهي مصالحها أو تنكشف مآربها لخدمة أهدافها الشريرة، وهناك بقع كثيرة شاهدة على ذلك.
 
الصومال
الإمارات أغلقت "مستشفى الشيخ زايد" بالعاصمة الصومالية مقديشو؛ زاعمة أنه "بسبب نقص التمويل" وهي البلد الغني! وذلك في ظل أجواء توتّر تعرفها علاقات البلدين إثر إنهاء الوجود العسكري الإماراتي في الصومال، ومصادرة قوات الأمن الصومالية 10 ملايين دولار في حقيبتين وصلتا على متن طائرة إماراتية خاصة إلى مطار مقديشو، (8 أبريل 2018).
 
وأكّدت وزارة الصحة الصومالية، 18 أبريل 2018، إغلاق المستشفى الذي كانت تشرف عليه الإمارات، وجاء هذا التأكيد بعد لقاء رسمي جمع مسؤولي الوزارة مع سفير الإمارات، محمد عثمان الحمادي، في مقرّ السفارة بمقديشو، للتأكّد من صحة الأخبار المتداولة عن إغلاق مستشفى الشيخ زايد، وللوقوف على حالته.
 
واعتُبر القرار الإماراتي خطوة ضمن الإجراءات التصعيدية التي تبنّتها الإمارات على خلفيّة احتجاز الحكومة الصومالية نحو 10 ملايين دولار، وإخضاعها للتحقيق، والتي قيل إن من بينها جزءاً مخصّصاً لتسيير أعمال المستشفى.
 
وقبل ذلك أعلنت الإمارات إنهاء البرنامج التدريبي الذي كانت تشرف عليه منذ 2014 لصالح الجيش الصومالي، مرجعة السبب إلى مصادرة الحكومة الصومالية 9.6 ملايين دولار كانت رواتب لجنود من الجيش الصومالي بصفة قالت إنها غير قانونية وخارج الأطر والأعراف الدبلوماسية، ما خلق توتّراً بين البلدين.
 
ويرى مراقبون أن هذه الخطوات تأتي كردّ فعل إماراتي على الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الصومالية، الرامية لتحجيم النفوذ الإماراتي في البلاد، والذي تراه ذا أطماع تهدّد أمن البلاد.
 
وسعت الإمارات من خلال تغلغلها في البلاد، على مدار سنوات مضت، وتدريبها للجيش، إلى استنساخ تجربة قوات الحزام الأمني في جنوب اليمن، وظهر ذلك جلياً في الاتفاقية التي وقّعتها أبوظبي مع جمهورية "أرض الصومال" أو "صوماليلاند"، التي أعلنت انفصالها عن البلاد عام 1991.
 
وترى الإمارات وجودها في الصومال كردّ فعل على الوجود التركي والقطري في القرن الأفريقي، وبعض الدول الأخرى التي تربطها بالصومال اتفاقيات رسمية.
 
اليمن
وليس ببعيد عن الصومال؛ ففي البلد الذي دمّرته حرب أبوظبي والرياض على الحوثيين، كانت "الأطماع الشيطانية" -كما يراها كثيرون- للإمارات حاضرة، مستغلّة لتحقيقها مآسي اليمنيين، الذين باتت بلادهم حزينة.
 
فالأطماع الإماراتية حوّلت جزيرة "سقطرى" إلى إمارة تابعة لأبوظبي، حيث شرعت ببناء نفوذ لها في محافظة أرخبيل سقطرى عام 2015، تحت لافتة العمل الخيري، مستغلّة إعصاري "تشابالا" و"ميغ" اللذين ضربا الجزيرة وأحدثا دماراً هائلاً في بنيتها التحتية.
 
وإلى جانب العمل الخيري استغلّت الإمارات ضعف الحكومة المركزية والسلطات المحلية لإحكام قبضتها على الجزيرة، بدءاً من الأمن ومروراً بالخدمات والاتصالات، ووصولاً إلى القطاع السياحي.
 
وكثّف الضباط الإماراتيون تحرّكاتهم في الجزيرة بوتيرة عالية؛ بغية الإمساك بزمام الملفّات الأمنية والخدمية، واتخذ الفريق الإماراتي فور وصوله -الذي مرّ عليه أكثر من عامين- خطوات مهّدت لـ "ابتلاع" الجزيرة.
 
وأنشأت الإمارات قوات عسكرية تحت اسم "القوات الخاصة"، التي يزيد عدد أفرادها عن 5 آلاف جندي يحظون باهتمام خاص، كما استحدثت أكثر من 20 نقطة تفتيش في سقطرى.
 
غزة
أكثر أماكن العالم العربي فيضاً بالمآسي لم تنجُ هي الأخرى من مشاريع "إمارات الشر"، مستغلّة جرحى العدوان الإسرائيلي على غزة في العام 2014، وأسّست مستشفى بستار الإنساني، لكنه يفيض بالعمالة لعدوّ الأمة كما يرى كثيرون.
 
فقد اكتشف جهاز أمن حركة المقاومة الإسلامية "حماس" أن الوفد الإماراتي المكوّن من 50 طبيباً، والذي وصل إلى القطاع بحجّة إقامة مستشفى ميداني، كان يزوّد الاحتلال الإسرائيلي بمعلومات عن القطاع، وغادر غزة على نحوٍ مفاجئ وترك كافة معدّاته دون سابق إنذار.
 
وبحسب ما ذكرت حركة حماس حينها؛ فإن هروب الفريق الإماراتي جاء بعد أن اكتشف الجهاز الأمني التابع لحركة حماس بما لا يدع مجالاً للشكّ أن جميع أفراده يعملون لصالح الموساد الإسرائيلي، وأن مهمّتهم السرية التي جاؤوا من أجلها إلى قطاع غزة تنصّ على جمع معلومات استخباريّة عن مواقع كتائب القسام ومنصّات إطلاق الصواريخ.
 
ولفتت الحركة إلى أن التحقيقات المطوّلة التي أُخضع لها الوفد الإماراتي كشفت بشكل قاطع عن أن عدداً من أعضائه يعملون كضابط كبار في جهاز الأمن التابع لأبوظبي.
 
وأكّد براء الرنتيسي، نجل القيادي الراحل في حركة حماس الشهيد عبد العزيز الرنتيسي، صحة ما ذُكر، مؤكّداً في تصريحات صحفية حينها أن "المقاومة أمسكت فعلاً بشبكة تجسّس إماراتية، وأن الوفد الطبي الإماراتي الذي وصل إلى غزة غادرها بعد تلقّيه تحذيراً أمنياً من الجهات المختصّة في القطاع".
 
وعقب هذه الفضيحة ذكرت وسائل إعلام عبرية أن دولة الإمارات "كانت على علم مسبق بالعملية العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة، وأيّدت حدوثها أملاً في إسقاط حركة حماس؛ لارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين".
 
وتحدثت القناة الثانية العبرية، في العام 2015، عن لقاء جرى في أبوظبي جمع أحد الوزراء الإسرائيليين بمحمد بن زايد، ومستشاره للشؤون الأمنية محمد دحلان، القيادي السابق في حركة فتح، والمعروف بعلاقته القوية مع الكيان الإسرائيلي، والذي يقيم في الإمارات منذ طرده من غزة وفصله من الحركة الفلسطينية.
 
ويتساءل ضحايا المآرب الإماراتية الشريرة عن دوافع قيام أبوظبي بذلك، خاصة أنهم لا يحملون أي نوايا سيئة لها، ولكن خير جواب على ذلك أنها كرّست نفسها خلال السنوات الـ8 الأخيرة لتحقيق المخططات الإسرائيلية لتثبيت أنظمة القمع العربية وتفتيت المقاومة الفلسطينية الوطنية، وما تبقّى من جغرافيا عربية؛ لتمرير "صفقة القرن" التي تصفّي قضية فلسطين، والتي أكّدت وسائل إعلام غربية أن الإمارات ركن أساسي فيها.
 
و"صفقة القرن"، خطة سلام أعدتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويتردد أنها تقوم على إجبار الفلسطينيين على تقديم تنازلات مجحفة لمصلحة "إسرائيل"، بما فيها وضع مدينة القدس المحتلة، وحق عودة اللاجئين.