قراءة في بيان سعودي متأخر.. تدارك للوضع في اليمن أم استمرار التخدير؟

 

 
استغرقت السعودية أكثر من ثلاثة أسابيع لإصدار بيان اليوم تعليقا على تصعيد الانتقالي بدعم من الإمارات في عدن.
 
البيان الذي نشرته وكالة (واس) يعد الموقف الواضح للرياض منذ اندلاع الصراع في عدن وبقية مدن الجنوب، وصدر ربما للمرة الأولى بعيدا عن الإمارات، ويمثل وجهة نظر السعودية لوحدها، ولم يصدر تحت اسم تحالف دعم الشرعية، كما هو الحال في البيانات السابقة.
 
يحمل البيان المتأخر العديد من الرسائل، ويعكس أيضا الكثير من الدلالات خاصة بعد الأحداث والتطورات التي شهدتها مدينة عدن ومدن يمنية أخرى منذ الأيام الأولى لشهر أغسطس المنصرم.
 
وصفت السعودية في البيان ما جرى في عدن فتنة بين الأشقاء اليمنيين، وتجاهلت الدور الإماراتي ودعمه لمليشيات المجلس الانتقالي في الانقلاب على الشرعية، ثم قصف طيران الإمارات العسكري للجيش الحكومي، وتسببه في قتل أكثر من 300 فرد، في عملية إرهابية بشعة، كما تغاضى البيان أيضا عن وصف أبوظبي لذلك القصف بأنه استهدف الإرهاب والإرهابيين، وجاء دفاعا عن النفس، كما زعمت الخارجية الإماراتية.
 
جاء البيان السعودي بعد وصول شحنات أسلحة إلى عدن من الإمارات بموافقة سعودية، وبعد فرض الانتقالي كطرف أساسي في المعادلة بدعم من الإمارات في وجه الشرعية، والاعتراف به من خلال استقدامه للحوار مع الحكومة الشرعية في جدة.
 
ما جاء في البيان السعودي هو تكرار لذات الكلام الرسمي الصادر كل مرة من الرياض في دعم الشرعية برئاسة هادي وكذلك الحكومة، والتأكيد على سلامة اليمن ووحدة أراضية والاستمرار في مواجهة انقلاب الحوثي.
 
لكن الحقائق على الأرض تبدو مختلفة، إذ تغض السعودية الطرف عن ممارسة شريكها في التحالف (الإمارات) لتعمل على النقيض مما تقوله السعودية، كالتصعيد في وجه الحكومة، ودعم مشروع الانفصال، ورعاية كيانات مليشاوية خارجة عن الشرعية وسلطتها، وكل ما من شأنه إضعاف الحكومة الشرعية، والإجهاز عليها.
 
يتجلى هنا تبادل الأدوار بين الدولتين في اليمن، فالذي لا تستطيع السعودية فعله أو قوله، تفعله الإمارات، وتغطي الدولتان على أعمال بعضهما البعض، في لعبة مكشوفة تسببت بالعديد من التداعيات طوال سنوات الحرب في اليمن.
 
تحاول الرياض أن تكون مرجعا لجميع الأطراف اليمنية، وتتيح لشريكها أن يخضع أي طرف، ويواجهه، وتتولى هي تهدئة الوضع لاحقا، وتظهر بمظهر المُصلح والمنقذ، وتبدي استعدادها لتقديم الإغاثة والإعانة للضحايا، لتتكامل الأدوار بين السعودية والإمارات، رغم قدرة الرياض على تجنب كل هذا.
 
الجديد في بيان السعودية هو حصره للتنظيمات الإرهابية في اليمن بجماعة الحوثي والقاعدة وداعش، وهذا التوصيف يبدو مختلفا عن الرؤية الإماراتية لجماعات الإرهاب في اليمن، إذ تضيف أبوظبي للثلاث الجماعات السابقة جماعة الإخوان المسلمين، في إشارة لحزب التجمع اليمني للإصلاح.
 
البيان السعودي الصادر اليوم يعكس سياسة النفس الطويل التي تجيدها الرياض، وهي سياسة سلبية تتسم بالبطء الشديد تجاه القضايا الحساسة والمفصلية، ولا تقدم حلولا فورية للجم أي تصعيد يطرأ خارجا عن التوجه العام للتحالف، وهذا الوضع أدى لمراكمة القضايا والمشاكل والتحديات، وقاد إلى الواقع الذي نشهده اليوم، وخلق صراعا جديدا، وخفف وطأة الضغط على الطرف الآخر ممثلا بجماعة الحوثي.
 
ما تضمنه البيان السعودي من تأكيدات قديمة جديدة ربما يشير أيضا إلى تباين الرؤى بين الرياض وأبوظبي، كتشديد البيان على أن أي محاولة لزعزعة استقرار اليمن يعد بمثابة تهديد لأمن واستقرار المملكة والمنطقة، ولن تتوانى عن التعامل معه بكل حزم، وكذلك تأكيد موقف السعودية الذي وصفته بالثابت من عدم وجود أي بديل عن الحكومة الشرعية في اليمن وعدم قبولها بأي محاولات لإيجاد واقع جديد في اليمن باستخدام القوة أو التهديد بها.
 
وهذا الموقف في القضيتين كما يسردهما البيان يبدو موقفا إيجابيا من ناحية اللغة الرسمية، ويناقض التوجه الإماراتي الذي يرفض الشرعية بشكل كلي، ويسعى لاستبدالها وتمزيق اليمن برمته، لكن البيانات الدبلوماسية لا يمكنها أن تقدم حلولا إذا ما لحقتها خطوات عملية تترجم تلك المواقف على الأرض، خاصة أن الرياض أصدرت بيانات مماثلة في السابق ولم تفعل شيئا لاحقا.
 
لكن رغم وضوح الموقف السعودي الذي يعكسه البيان، فقد دعت السعودية في ذات البيان ما وصفته بالأطراف اليمنية (الحكومة الشرعية، والمجلس الانتقالي) إلى الانخراط في حوار جدة بشكل فوري ودون تأخير، وهي بهذا تعترف بالواقع الجديد الذي فرضه الانتقالي، وتكمل تسوية المعادلة الجديدة الهادفة لإشراك الانتقالي كطرف أساسي في وجه الحكومة اليمنية.
 
كذلك أعاد البيان الجديد التذكير بالبيانات السعودية السابقة التي طالبت بضرورة استعادة معسكرات ومقرات مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية التي استولى عليها الانتقالي للحكومة الشرعية في عدن، رغم أنها لم تخطُ أي خطوة في هذا الصدد منذ تصعيد الانتقالي، ولم تقم بأي إجراء من شأنه إثناء الانتقالي أو إرغامه على التسليم.
 
صدور البيان في هذا التوقيت يبدو أشبه برسالة اطمئنان بعثتها الرياض للحكومة الشرعية التي أعلنت أنها لن تحاور المجلس الانتقالي في جدة، بل دولة الإمارات الممولة للمجلس، كما جاء في كلمة صوتية لنائب رئيس الوزراء وزير الداخلية أحمد الميسري.
 
جاء صدور هذا البيان بعد حدثين ملفتين، الأول زيارة نائب وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والثاني زيارة مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشرق الأدنى ديفيد شينكر للرياض، ولقاءه بالرئيس هادي، وتأكيده على أهمية أن يكون الحل في اليمن وفقا للمرجعيات الثلاث، وكذلك حديثه وفقا لوكالة الصحافة الفرنسية عن رغبة واشنطن في إجراء محادثات مع الحوثيين بهدف إيجاد حل مقبول من الطرفين  للنزاع في اليمن.
 
فهل استبقت الرياض التوجه الأمريكي الرامي لإجراء حوارات مع الحوثيين بلملمة صف الأطراف اليمنية التابعة لها، أم أن بيانها يمهد ويستبق تطورات قادمة؟ وفي كل الأحوال ستكون الأيام القادمة كافية بإظهار الحقائق، لكن الأهم هل ستصدق السعودية في موقفها هذا أم لا؟
 
المصدر : عامر الدميني - الموقع بوست