معضلة العالم مع الاحتباس الحراري.. الحل يكمن في سلطنة عمان
المصـدر : المدار برس - متابعات

 


قبل نحو عشر سنوات تقريباً، اكتشف علماء الجيولوجيا أن صخور "الأفيوليت" المنتشرة بكثرة في سلطنة عمان يمكنها امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون المسبب لظاهرة الاحتباس الحراري، وقالوا إنها تساعد في إبطاء ظاهرة ارتفاع درجات حرارة الأرض.

وهذا النوع من الصخور يسمى البريدوتيت؛ وهو صخر بركاني صواني، وهو أكثر الصخور الموجودة في غطاء الأرض أو الطبقة التي تقع مباشرة تحت القشرة، وهي تبدو أيضاً على سطح الأرض خاصة في سلطنة عمان.

ويؤكد علماء أنه عندما يحدث تلامس بينها وبين ثاني أكسيد الكربون، يتحول الغاز إلى مادة صلدة مثل "الكالسيت" (كربونات الكالسيوم المتبلورة)، وأن هذه العملية تحدث طبيعياً، لكن يمكن زيادة طاقتها مليون مرة لإنماء معادن تحت الأرض قد تخزن بشكل دائم ملياري طن أو أكثر من ثاني أكسيد الكربون.

وفي عام 2008، قام الجيولوجي بيتر كيليمان، والكيميائي الجيولوجي يورج ماتر، من مرصد "لامونت دوهيرتي أيرث" في نيويورك (مكتشف هذه الصخور)، بحساب تكاليف استخراجها وجلبها مباشرة إلى منشآت الطاقة التي تنبعث منها غازات مسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، لكنهم اعتبروها مكلفة للغاية.

وقال العالمان آنذاك إنهما استلهما عملية تخزين صخور البريدوتيت للكربون من خلال نقلها وحقنها بمياه ساخنة تحتوي على غاز ثاني أكسيد الكربون المضغوط، وقدما ملفاً لبراءة مبدئية لهذه التقنية.

وأكدا أن ما بين 4 مليارات و5 مليارات طن سنوياً من هذا الغاز يمكن تخزينها قرب سلطنة عمان باستخدام صخور البريدوتيت، بالتوازي مع تقنية ناشئة أخرى طورها كلاوس لاكنر في كولومبيا تستخدم أشجاراً اصطناعية تمتص ثاني أكسيد الكربون من الهواء، بحسب رويترز.

وفي أبريل 2016، أكد صبحي نصر، مدير مركز أبحاث علوم الأرض في جامعة السلطان قابوس، أن صخور البيريدوتايت الموجودة في السلطنة "تكفي لتغطية العالم كله، وتكفي لامتصاص ثاني أكسيد الكربون الموجود في الغلاف الجوي لألف ضعف".

ونقل موقع "أثير" الإخباري عن نصر قوله: "في 2006 تقريباً أجرت الجامعة بعض الأبحاث على هذه الصخور، ولوحظ أنها تمتص ثاني أكسيد الكربون بشكل طبيعي في معظم الوديان بالسلطنة حيث تتوافر هذه الصخور، وأينما وُجدت مياه جارية يُلاحظ تفاعل هذه الصخور معها وتتحول إلى كلس أبيض".

وبعد نقاشات وورش عمل، وضع علماء من كل أنحاء العالم أطروحتين لعملية امتصاص ثاني أكسيد الكربون بواسطة هذه الصخور؛ فبعض المدارس اقترحت عملية تسييله من المصانع المصدرة للغاز، وضخه عن طريق حفر الآبار، أما الثانية فاقترحت طحنها وخلط ثاني أكسيد الكربون المسال معها، بحسب نصر.

ودفعت عدة مؤسسات تمويلية؛ منها: المؤسسة الوطنية للأبحاث الأمريكية، ووكالة ناسا، ومؤسسة البحث العلمي الياباني، 4 ملايين دولار لبدء عملية الحفر والدراسة التي ستستمر 3 سنوات.

وتشمل الدراسة منطقتين مهمتين؛ إحداهما بالقرب من وادي الطائيين في المجرى المؤدي إلى وادي ضيقة، ومنطقة أخرى بالقرب من سمد الشأن في المضيبي.

وأجرت جامعة السلطان قابوس عمليات مخبرية لدراسة فوائد هذه الصخور، ولوحظ أن هناك تفاعلاً سريعاً جداً بينها وبين المياه، بشرط تزويدها بالحرارة. وخلصت الدراسة إلى أنه توجد جدوى اقتصادية لاستخدام هذه الصخور في امتصاص ثاني أكسيد الكربون.

وتقوم الأفكار المطروحة حالياً على تصدير هذه الصخور لجميع أنحاء العالم لاستخدامها، ونثرها على المناطق المائية المنتشرة، خصوصاً المناطق البحرية للاستفادة من قدرتها على امتصاص ثاني أكسيد الكربون، وحماية الشواطئ، وزيادة الكائنات المرجانية فيها.

وفي عام 2012 تواصلت بعض الشركات الهولندية مع جامعة السلطان قابوس لتوريد هذه الصخور على شكل مسحوقإلى هولندا، لكن لم يتحقق ذلك بسبب سعر النقل من السلطنة إلى هولندا في ذلك الوقت، بالإضافة إلى غلاء التأمين.

ويؤكد خبراء ضرورة وجود صناعة محلية وتشجيع حكومي على استخدام هذه الصخور وتسويقها خارجياً، كما يحتاج الأمر إلى قرار من الأمم المتحدة لإجبار الدول على استخدام هذه الصخور للحماية من الاحتباس الحراري.

ومع ذلك فإن الأمر يحتاج إلى دراسة مستفيضة؛ لفهم عملية التفاعل بين المياه والصخور، وكيفية تسريعه، بحسب نصر الذي أكد أن جامعة السلطان قابوس ممثلة في مركز علوم الأرض، وبعض الأفراد في الهيئة العامة للتعدين، ووزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه، مهتمون بهذا الأمر، خصوصاً من الناحية البيئية.

وصخور الأفيوليت تعد تراثاً علمياً فريداً، وكنزاً يتهافت عليه العلماء الجيولوجيون في العالم لأغراض البحث والدراسة، وتكمن أهميتها الاقتصادية في كونها مصدراً رئيسياً لخام الكرومايت، والبازلت الوسائدي الذي يحتوي على نسبة عالية من الذهب والخامات المعدنية الأخرى.

ويدعو خبراء وعلماء بشكل مستمر إلى ضرورة الاهتمام بالأفيوليت والحفاظ عليه، وأهمية دراسة عملية التفاعل بين صخور الأفيوليت التي تحتوي على عناصر مختلفة ومياه الخليج المالحة قبل البدء في استخدامها في بناء الجزر والمنشآت البحرية، ما قد يؤدي إلى خلل بيئي وأخطار مائية عديدة.

وانطلاقاً من تلك الدعوات، بدأ برنامج الحفر في صخور "الأفيوليت" بأخذ مكانه بشكل قوي ضمن مشاريع الدراسات الدولية لمخزونات المياه والمعادن المطبّقة في السلطنة، والذي تعوّل دراسات دولية على نتائجه في علاج تداعيات ظاهرة الاحتباس الحراري على مستوى العالم.

وأعلنت "الهيئة العامة للتعدين" العام الماضي، أن البرنامج يهدف إلى درس كيفية تفاعل صخور الأفيوليت مع الماء تحت سطح الأرض، والذي ينتج عنه العديد من عوامل التعرية الجوفية بوجود درجات حرارة عالية، وستكون نتائجه مهمة في الكشف عن الثروتين المائية والمعدنية في البلاد.

ويشارك في هذا البرنامج باحثون عمانيون و40 آخرون من جنسيات أمريكية وبريطانية وألمانية وفرنسية وغيرها، وتم توفير الدعم المادي من قبل العديد من المؤسسات والمعاهد الدولية.

وتعتبر سلاسل صخور الأفيوليت في سلطنة عمان واحدة من أكبر وأشهر السلاسل في العالم، وهي تمتد بطول 600 كم، وبعرض يتراوح بين 50 و100 كم، وبسمك يصل إلى 3 كيلومترات.

وتمثل السلطنة أكبر وجود لهذه الصخور، وهي موجودة أيضاً في مناطق أخرى لكن بكميات قليلة جداً، كما هو الحال في جزيرة قبرص وكاليفورنيا وبعض الجزر اليابانية.
 

تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر