هذا ما يأكله اليمنيون في الحرب
المصـدر : المدار برس - متابعات

 

 
من بين 33 مادة غذائية يوصي بها خبراء التغذية العاملون في وكالات الإغاثة في اليمن، يتناول اليمنيون القليل فقط بسبب الفقر المتزايد الناجم عن الأزمات الاقتصادية المزمنة بالإضافة إلى الحرب القائمة منذ أكثر من أربعة أعوام. ويصل الأمر إلى حدّ لجوء عدد من السكان إلى تناول نباتات لم تكن تؤكل إلا في أيام الجوع والقحط التي كانت البلاد تخبرها قديماً، ومنها نبات مرّ يُعرَف محلياً باسم "الحلص" كان البعض يستخدمه كنوع من التوابل.
 
يخبر حميّر محمد لموقع العربي أنّ "أسرتي ما زالت بين الحين والآخر تأكل بعض الحلص في حال عدم توفّر الغذاء أو تأخر وصول السلال الغذائية التي نحصل عليها من المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني"، مشيراً إلى أنّ "الحلص كان يُستخدم قديماً من ضمن مكوّنات بعض الأطباق، لكنّه صار اليوم وجبة أساسية لأسر كثيرة تعجز عن توفير غذائها منذ بدء الحرب". يضيف أنّ "إقبال الناس عليه ازداد حتى استُهلك كلياً في المناطق الريفية شديدة الفقر، من قبيل المناطق شبه التهامية في حجة والمحويت". ويؤكد أنّ "بعضاً من أهالي قريتي نزحوا إلى المدينة بحثاً عن الغذاء".
 
أمّا أسرة خليل التهامي فتبدو أفضل حالاً، ويقول التهامي: "نحصل على المساعدات في أوقات متباعدة، لذا نعمد إلى تناول الخبز والشاي في معظم الأحيان، لا سيّما في وجبتَي الفطور والعشاء، وأحياناً معجون الطماطم والزيت. وبالنسبة إلى البقوليات واللبن، لا نستطيع توفيرها إلا في أيام محدودة من الشهر". يضيف التهامي: "يكفيني أن أتمكّن من توفير كيسَين من القمح شهرياً، فأكون بذلك قد نجحت بتأمين الغذاء لأسرتي. وأسعى إلى الحصول على الفاصولياء أو الفول أو الزبادي أو الأرزّ أو البطاطا أو بعض الخضار، وفي حال لم أنجح نكتفي بالخبز مع الشاي أو القهوة".
 
من جهتها، وجدت أمّ غمدان في "الوزف" (سمك صغير مجفف) وسيلة تستطيع من خلالها تعويض ما تقدّمه اللحوم والأسماك من قيمة غذائية. وتقول لـ"العربي الجديد": "كنّا في السابق نأكل اللحوم الحمراء والأسماك وكذلك الدجاج باستمرار، أمّا اليوم فبالكاد نوفّر الأطعمة الأساسية. بالنسبة إلى اللحوم، صرت أشتري الكوارع في نهاية كل أسبوع حتى أعدّ المرقة منها، وقد أشتري كذلك كروش الغنم أو العجول لأنّ أسعارها أقلّ من سعر اللحم". وتؤكد أمّ غمدان أنّ "الظروف المعيشية جعلتني أقلّل الأطباق التي كانت تطهوها لأفراد أسرتي في اليوم الواحد، وصرنا نعتمد على الوزف المجفف يومياً إمّا عند الفطور أو الغداء أو العشاء"، موضحة أنّ "مائدة الغداء قبل الحرب كانت تمتلئ بمأكولات مختلفة مثل الشفوت والأرزّ والفتة والعصيد والسلتة والفحسة والسلطات المتنوعة والمعكرونة، بالإضافة إلى الحلوى أحياناً. أمّا في أيامنا هذه، فلا أستطيع توفير إلا واحدة أو اثنتين من تلك الأكلات".
 
في هذا الإطار، يقول العامل في مجال التنمية الإنسانية، عبد الإله تقي، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الأسر المسحوقة مرّت في الأعوام الماضية من الحرب بمرحلة حماية الاستهلاك، أي أنّها عمدت إلى بيع أصولها وصرف مدّخراتها من أجل الحصول على غذاء متنوّع وذي نوعية جيّدة نسبياً. لكنّ تلك الأسر اليوم تعيش مرحلة تعديل الاستهلاك، فتعمد خلالها إلى التقليل من تنوّع مكوّنات الغذاء وكمياته وجودته. ويمكن الحديث هنا عن انهيار قدرات الأسر على الصمود أمام الأزمة. وتلك المرحلة تُعَدّ الأخيرة في ما يتعلق بمناعة الأسرة قبل أن تواجه تبعات الأزمة الصحية والاجتماعية والبيئية". ويوضح تقي أنّ "الأسر المسحوقة وبهدف التكيّف تلجأ إلى وسائل سلبية عدّة منها التقليل الملحوظ لحجم الوجبات وجودتها الوجبات، أو إلغاء واحدة من الوجبات، أو تخصيص الوجبات المتوفّرة للصغار فيما يأكل الكبار ما يساعدهم على الصمود".
 
وفي سياق متصل، يؤكد تقي أنّ "نتائج استهلاك أنواع محدودة من الغذاء يتحمّلها الرضّع والأطفال دون الخامسة، خصوصاً. فسوء تغذية الأمهات ينعكس سلباً على الرضاعة الطبيعية، لجهة كمية الحليب وجودته، إلى جانب عدم القدرة على شراء الحليب المصنّع بسبب ثمنه الغالي. وتضطر الأمّ بالتالي إلى جعل طفلها يتناول خلطة حبوب محدودة التنوّع، لا سيّما القمح والذرة خلال عامَيه الأوّلَين". ويتابع تقي أنّ ذلك "يؤدّي إلى إصابة الأطفال بسوء التغذية ويُحَدّ نموّ جسمه، وهذا الأمر يُعرَف طبياً بالتقزّم. وإعاقة النموّ تلك قد تبدأ مبكراً في المراحل الأخيرة من الحمل، في حال كانت الأمّ تعاني سوء التغذية بدورها". ويكمل تقي أنّ "محاولات التكيّف السلبي في ما يتعلق بالاستهلاك الغذائي أفضت إلى عدد من النتائج والسلوكيات الضارة صحياً وبيئياً ومجتمعياً. على سبيل المثال، فإنّ إقبال أسر عديمة الحيلة على البحث عن الغذاء من مكبات النفايات أو شرائه من مناطق بيع المواد الغذائية منتهية الصلاحية، يتسبب في انتشار أمراض مختلفة".